حقوق الإنسان ومفهوم السمعة المؤسسية مقاربات ذهنية وعملية في أداء وزارة الداخلية
سلسلة ثقافة حقوق الإنسان
حقوق الإنسان ومفهوم السمعة المؤسسية
مقاربات ذهنية وعملية في أداء وزارة الداخلية
د. أسامة ثابت الألوسي
إدارة حقــوق الإنســـان
تعد السمعة المؤسسية مفهوماً حديثاً يجري تكوين ملامحه الرئيسة وصورته عبر اتصال المنظمات الإدارية وسواء أكانت مؤسسات أو هيئات أو وزارات، مع الجمهور المتعامل معها وما يترتب على ذلك من أصداء وانطباعات عن واقع أداء هذه المنظمات، في وجدان هذا الجمهور، وهو ما جرى التعارف عليه (بالصورة الذهنية عن هذه المؤسسات) .
علماً بأن الصورة الذهنية هذه لا تشمل جمهور المتعاملين مع المؤسسات المعنية فحسب وانما جمهور غير المتعاملين معها ممن يسمعون عن أداءها وعن جودة مخرجاتها.
وترتبط بمفهوم السمعة الـمؤسسية مفاهيم من قبيل:
1. الثقافــة الـمؤسسيــة: والتي تتمثل بمنظومة (القيم والتقاليد ومبادئ العمل) التي تتشكل في بيئة عمل المؤسسة، والتي تؤلف العقائد الوظيفية السائدة التي تتحكم في أداءها.
2. ذكاء السمعة الـمؤسسية: وهو مفهوم تشير إليه ثلاث خطوات في (عملية السمعة) تتصل بتوفير المعلومات عن المؤسسات، ونقلها، ومن ثم توظيفها في الاتجاه الذي يخدم سمعة المؤسسة.
3. إدارة سمعة الـمؤسسات إلكترونياً: ويقصد بها كافة البيانات والمعلومات التي تنشر في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تعزز سمعة المؤسسة وسواء عكست المحتوى الإيجابي لأدائها أو رصدت مواطن الخلل فيه والحث على معالجتها.
السمعة بين الواقع والانطباع:
يصنف خبراء السمعة المؤسسية دراسة السمعة إلى أربعة تصنيفات وتتمثل بالآتي:
1. واقع جيد وانطباع جيد: وذلك يعني أن المؤسسة قد أدت اتصالها بصورة فاعلة وكفؤة.
2. واقع جيد وانطباع سيئ: قد تكون العديد من المؤسسات تلتزم بكل معايير التميز المؤسسي من حوكمة وتطور، وقيادة، وخدمات، إلاّ أن انطباع الجمهور يظل سلبياً، وهنا تحتاج المؤسسة إلى إعادة النظر في آلياتها المستخدمة في التواصل مع الجمهور.
3. واقع سيئ وانطباع جيد: وهنا يمارس الاتصال الفعَّال تأثيره في نقل صورة هي عكس الواقع عن أداء المؤسسة، وهو ما لا تستطيع المؤسسة المحافظة على هذه الصورة لفترة طويلة.
4. واقع سيئ وانطباع سيئ: وفي هذه الحالة فإنه يقتضي قيام المؤسسة بمراجعة واقع أدائها في خدمة الجمهور وآليات الاتصال معه في ذات الوقت.
مقاربات الـمسألة من زاوية حقوق الإنسان:
إذ عرضنا للعناصر الأساسية لفكرة (السمعة المؤسسية) فإن جوهر المسألة إنما يدور حول محورين مهمين هما:
- أداء الخدمة للجمهور المتعامل مع المؤسسة.
- التعريف بهذه الخدمة لعموم الجمهور (الـمتعامل وغير المتعامل مع المؤسسة)، عبر آليات التواصل المختلفة وبخاصة الإلكترونية منها.
ونرى أن العامل الحاسم في تكوين السمعة الإيجابية عن المؤسسة إنما يتمثل بواقع أداء الخدمات وجودتها ويندرج ضمن معايير الجودة:
• كفاءة وفاعلية أداء الخدمة.
• مشروعية أداء الخدمة (موافقته للقوانين الناظمة لهذا الأداء) .
• مساواة الجميع (الجمهور الـمتعامل مع الـمؤسسة)، في تطبيق القانون في إطار أداء الخدمة.
• اللياقة الأدبية والأخلاقية في التعامل مع الجمهور في سياق هذا الأداء (احترام الكرامة الإنسانية للأشخاص أصحاب الشأن).
• تبسيط الإجــراءات وإنجــاز المعاملات دونما تأخير لا مبرر له (احترام وقت الجمهور وعدم تعطيل مصالحه).
• شمول فئات خاصة (أولى بالرعاية) في إطار أداء الخدمة (الـمرأة، ذوي الإعاقة، كبار السن) بمعاملة خاصة (التمييز الإيجابي) .
بضوء الـمعايير آنفة الذكر يمكن أن نخلص إلى الـمدركات الرئيسة التالية:
أ- ان (حقوق الإنسان) هي النواة الصلبة لفكرة الجودة بدليل أن معاييرها اندرجت في صميم أنماط مختلفة لحقوق الإنسان (الـمشروعية، الـمساواة أمام القانون والحق في والكرامة، وحقوق الـمرأة وكبار السن وذوي الإعاقة).
ب- ان للمعايير آنفة الذكر تجليات ملموسة في عمل وزارة الداخلية وذلك في إطار إجراءاتها النوعية ذات الطابع التنظيمي والخدمي المتعلقة بعمل (الجوازات، والـمرور، والدفاع الـمدني، والفزعة وغيرها).
ج- ان سمعة المؤسسة لا تتأثر بأدائها الكلي فحسب، حيث يمكن ان تضار الصورة الذهنية للمؤسسة بفعل تصرف غير مسؤول لأحد عناصرها في مواجهة الجمهور المتعامل مع المؤسسة، ولذا قيل بأن منتسب وزارة الداخلية هو حجر الأساس في بناء سمعتها المؤسسية.
وفيما يخص المحور الثاني لفكرة (السمعة الـمؤسسية)، وهو المتمثل بنقل المعلومات عن أداء المؤسسة إلى الجمهور عبر آليات الاتصال المختلفة (الـموقع الالكتروني للمؤسسة، برامجها على وسائل التواصل الاجتماعي، وسائل الإعلام التقليدية الـمرئية والـمسموعة والـمكتوبة).
فإن عملية الاتصال هذه كي تأخذ مداها المطلوب في تعزيز سمعة المؤسسات المعنية، فإنه ينبغي مراعاة المبادئ التالية:
- الـمصداقية: أن تكفل عملية الاتصال نقل المعلومات عن أداء المؤسسة دون مبالغات لا سند لها في الواقع وبخلافه ستكون عملية تزييف للحقائق إذا ما انطلت على الجمهور لبعض الوقت فإنها لن تنطلي عليه طول الوقت.
- الــدقــــــة: ان تغادر المعلومات طابع العمومية الزائدة والأطناب في الحديث عن المستقبل، بقدر ما تحرص على تعزيز هذه المعلومات بالمؤشرات الإحصائية، والإنجازات المؤكدة بالوثائق خلال المرحلة الراهنة.
- الـشفـافيـة: بمعنى نقل الحقائق والبيانات عن واقع الأداء حتى لو كشفت عن مواطن خلل، أو تحديات أو فجوات في أداء المؤسسة مما يعزز ثقة المجتمع بإجراءاتها، ويؤكد مصداقيتها.
- التغذية العكسية: وذلك يعني حرص المؤسسة على أن تكون عملية الاتصال بجمهورها المتعامل معها أو عموم الجمهور باتجاهين:
• الاتجاه الأول/ ويتمثل بنقل الحقائق والبيانات والمعلومات عن واقع المؤسسة إلى الجمهور.
• أما الاتجاه الثاني/ فيتجلى بالوقوف على صدى أداء المؤسسة وما يتصل به من حقائق ومعلومات في وجدانه، ودرجة رضاه عن هذا الأداء، وهو ما تكشف عنه آراء الجمهور السلبية أو الإيجابية عن أداء المؤسسـة والتي يجري التعبير عنها في وسائل التواصـل الالكترونية والتقليدية آنفـة الذكر وعبر آليات الاتصال الجمعية من اجتماعات وندوات ولقاءات وغير ذلك، وهو ما يعرف بالتغذية العكسية، أو الارتجاعية، أو رجع الصدى للاتجاه الأول في عملية اتصال المؤسسة بجمهورها.
كما يغدو ممكناً للاتجاه الثاني ان يتحقق من خلال آلية استطلاعات رأي الجمهور المتعامل مع المؤسسة حيث يمكن للأخيرة من خلال تحليل البيانات المتحصلة من هذه الاستطلاعات ان تقف على جوانب القوة والصحة في أداءها لتعظيمها، وعلى مكامن الضعف لمعالجتها، الأمر الذي يفضي إلى تحسين الأداء وكسب رضا الجمهور ومن ثم تحسين سمعة المؤسسة.
ومن دون شك فإن حضور (فكرة حقوق الإنسان) في عملية الاتصال آنفة الذكر إنما يبدو واضحاً ومؤثراً حيث يمكن استجلاء حقوق من قبيل (الحق في الوصول إلى الـمعلومات عن واقع الأداء الحكومي، والحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في الـمشاركة العامة) في سياق هذه العملية والمبادئ التي تحكمها.
ولعل أبرز صورة لتجلي هذه المسألة في عمل وزارة الداخلية، هو نهج إدارة التخطيط والجودة فيما تضطلع به من مسوحات تستطلع من خلالها رأي الجمهور المتعامل مع عدد وفير من إدارات وزارة الداخلية ذات الطابع الخدمي، وتوظيف نتائجها لصالح عملية تطوير أداء وزارة الداخلية.
ومن بينها استطلاعات رأي الجمهور المتعامل مع إدارة حقوق الإنسان من المشتكين والملتمسين، حيث تم إنجاز سبع مسوحات لحد الآن بالتعاون بين الإدارتين.
وختـامــاً فإنه بمقدورنا القول أن (ثقافة حقوق الإنسان) وبقدر علاقتها بمعايير الجودة في الأداء المؤسسي وآليات تواصل المؤسسة مع جمهورها، هي ثقافة مؤسسية بامتياز ودون أدنى شك ومن هنا يمكن فهم حرص وزارة الداخلية على إشاعة ثقافة الجودة وثقافة حقوق الإنسان في صفوف أعضاء قوة الشرطة عبر آليـات التوعيـة والتثقيـف التي تنهـض بها كل من إدارتـي (التخطيط والجودة، وحقوق الإنسان) بدعم ومؤازرة إدارة العلاقات العامة، وبما يؤول إلى تعزيز الثقافة المؤسسية وتعزيز سمعة وزارة الداخلية.

