حول حقوق الإنسان في قواعد السلوك المهني والأخلاقي للوظيفة العمومية
(الجزء الأول)
المدونة العربية الاسترشادية لقواعد سلوك الموظفين العموميين في صيغتها المعدلة
د. أسامة ثابت الآلوسي
استشاري إدارة حقوق الإنسان
في سياق الاهتمام بحقوق الإنسان في إطار العمل العربي الأمني المشترك يمكن رصد ما صدر عن مجلس وزراء الداخلية ومؤتمرات قادة الشرطة والأمن العرب من مدونات وقواعد توجيهية وإرشادية تحكم سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، ومنها قواعد سلوك رجل الأمن العربي والمدونة العربية الاسترشادية لقواعد سلوك الموظفين العموميين ، علماً بأن كلتا الوثيقتين قد تم مراجعتهما وتطوير بنودهما وصولاً إلى إقرار صيغتيهما المعدلتين في المؤتمر الثاني والأربعين لقادة الشرطة والأمن العرب المنعقد في تونس للفترة من 12-13/12/2018، وامتداداً لما عرضناه في مقالتنا السابقة حول (حقوق الإنسان في أخلاقيات الوظيفة الأمنية) فإنه يمكن استكمالاً لبيان المسألة وإعماماً للفائدة إحاطة أعضاء قوة الشرطة القطرية بالمفاصل الجوهرية لهاتين الوثيقتين مع إشارة خاصة لحقوق الإنسان في بنودهما، حيث سنكرس هذه المقالة للمدونة الخاصة بالموظفين العموميين، على أن نسلط الضوء في عدد لاحق من المجلة على المدونة الثانية.
المدونة الاسترشادية... الضرورة
جرى الإفصاح عن الحاجة الملحة التي تقوم لإعداد مدونة استرشادية تحكم سلوك الموظفين العموميين، والتي جرى اعتمادها من قبل مجلس وزراء الداخلية العرب، وذلك في ديباجة المدونة، إذ ذكر بأن هذه المدونة إنما جاءت تحت وطئة القلق الذي يساور المجلس وذلك بفعل الاعتبارات التالية.
• خطورة المشاكل التي يخلفها الفساد وما يترتب عليه من تقويض لاستقرار المجتمعات وأمنها وقيمها الأخلاقية وتنميتها.
• الصلات القائمة ما بين الفساد وأشكال الأجرام الأخرى، وبخاصة الجريمة المنظمة والجرائم الاقتصادية وغسل الأموال.
• أهمية تحسين وتطوير الأداء الإداري وتعزيز المسائلة والشفافية.
• ضرورة التعاون العربي والدولي في مجال منع ومكافحة الفساد بعد أن أضحى ظاهرة عابرة للحدود الوطنية.
مرجعية المدونة
أخذت المدونة الاسترشادية العربية في الاعتبار الأحكام الواردة في الوثائق الدولية والعربية التالية:
• اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
• الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد.
• المدونة الدولية لقواعد سلوك الموظفين العموميين التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها 15/59 الصادرة بتاريخ 12/12/1996م.
مبادئ المدونة
اشتملت المدونة على حزمة من المبادئ التوجيهية الإرشادية لعل أهمها هو المدرج في الآتي:
1. الولاء للصلاح العام: الوظيفة العمومية أياً كان تعريفها في القانون الوطني هي منصب يقوم على الثقة، والعمل للصالح العام.
2. الفاعلية والنزاهة: يحرص الموظفون العموميون على أداء مهامهم بكفاءة وأمانة وفقاً للقوانين والسياسات الإدارية.
3. احترام وقت العمل: يحرص الموظفون العموميون على تخصيص وقت الدوام الرسمي لأداء الواجبات الوظيفية والامتناع عن ترك العمل أو التوقف عنه أو تعطيله خلافاً للقوانين والأنظمة النافذة، أو التحريض على ذلك.
4. الإنصاف والحياد: يتوخى الموظفون العموميون في كل وقت في أداءهم لمهامهم الابتعاد عن منح أي فرد أو جماعة معاملة تفضيلية والامتناع عن إساءة استعمال السلطة والتمييز على أساس العرق أو الجنس أو الجنسية أو الدين أو المعتقد أو الرأي السياسي أو الانتماء أو الثروة أو المركز الوظيفي، و.النأي بالنفس عن المحسوبية والمحاباة والواسطة.
5. عدم الجمع بين الوظيفة وأعمال ذات صلة: يمتنع الموظفون العموميون عن ممارسة عمل آخر يؤدونه بالذات أو بالواسطة إذا كان من شأن ذلك الإضرار بأداء واجبات الوظيفة، أو كان غير متفق مع مقتضياتها.
6. المحافظة على المنشآت العامة وأموالها وممتلكاتها.
7. الالتزام بالإبلاغ عن أفعال الفساد: التي يتوافر علم الموظف العمومي بها بمناسبة أو في نطاق أداء وظيفته مع ضمان توفير الحماية اللازمة له من قبل الدولة.
8. احترام المتعاملين مع المرفق الحكومي: يلتزم الموظفون العموميون بإسداء الخدمات لمستعملي المرفق العمومي والمتعاملين معه بكل احترام وفعالية مع الإجابة عن المطالب والشكاوى في الآجال المحددة قانوناً.
9. الابتعاد عن شبهة الفساد: وكل تصرف أو سلوك يندرج ضمن حالات الفساد والتي يجرمها القانون.
10. تكريس العلاقة الإنسانية وتمكين المرأة في بيئة العمل: الالتزام بروح الزمالة والتعاون وتبادل المعرفة واحترام علاقات الشراكة في العمل بين الرجل والمرأة.
11. احترام الأخلاقيات العامة: الامتناع عن أية تصرفات أو ممارسات تسيئ إلى الأخلاق أو الآداب العامة أو المعتقدات الدينية والتحريض ضدها.
12. الحرص على الوثائق الرسمية: عدم الاحتفاظ خارج أماكن العمل بأي وثائق رسمية أو نسخ عنها باستثناء الوثائق التي تكشف عن حالات فساد فترفع إلى الجهات المختصة بمكافحة الفساد في الدولة.
13. تأمين الوصول إلى المعلومات: توفير المعلومات المطلوبة لمتلقي الخدمة والمتعلقة بأعمال الوظيفة ضمن الصلاحية المخولة للموظف العمومي بدقة وسرعة ودون خداع أو تضليل وفقاً للتشريعات النافذة.
14. رعاية ذوي الإعاقة: إعطاء أولوية العناية أو الرعاية لذوي الإعاقة وتقديم العون والمساعدة لهم.
تضارب المصالح والإفصاح عن الذمة المالية:
15. يمتنع الموظفون العموميون عن استغلال سلطتهم الرسمية لخدمة مصالحهم الشخصية أو الحصول على ربح أو منفعة أو مزايا تتعارض مع مقتضيات وظيفتهم أو مصالح الجهة التي يعملون بها.
16. الامتناع عن استخدام المال العام أو الممتلكات والخدمات والمعلومات العامة التي يحصلون عليها أثناء الخدمة وبسببها، للقيام بأنشطة لا تتصل بعملهم الرسمي.
17. يلتزم الموظفون العموميون بالإفصاح عن أعمالهم الخاصة ومصالحهم التجارية والمالية، وذلك وفقاً للقوانين النافذة.
قبول مبالغ وهدايا رمزية:
18. يمتنع الموظفون العموميون عن طلب أو قبول أو أخذ، بشكل مباشر أو غير مباشر، أي مبالغ مالية أو هدايا أو مزايا لأداء عمل من أعمال وظائفهم أو الامتناع عنه أو للإخلال بواجباتهم الوظيفية أو الوعد بشيء مما ذكر.
سرية المعلومات والمعطيات
يلتزم الموظفون العموميون-
19. بالتعامل مع الوثائق والبيانات بسرية تامة وعدم استغلالها بشكل يخالف المنظومة الأخلاقية ورسالة المؤسسة التي ينتمي إليها الموظف والمبادئ التي تقوم عليها الدولة.
20. عدم إفشاء أي معلومات أو معطيات علموا بها أثناء أو بسبب أداء وظائفهم حتى بعد ترك الخدمة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
تجليات المسألة في نطاق وزارة الداخلية
ثمة تجليات مهمة لمعايير سلوك الموظف العمومي التي نظمتها المدونة العربية الاسترشادية في نطاق وزارة الداخلية نعرض لها في هذه المقالة بنحو مركز ومجمل وكالآتي:
أولاً: وضع المسألة في قانون الخدمة العسكرية
- أورد قانون الخدمة العسكرية رقم (31) لسنة 2006م (الذي يشمل أعضاء قوة الشرطة) في المادة (72) منه عدداً من المحظورات على العسكري واجب الامتناع عن الإتيان بها ومن بينها الفقرات التالية من هذه المادة:
• إفشاء أي معلومات تتعلق بعمله ويظل هذا الالتزام قائماً حتى بعد انتهاء خدمته. (الفقرة 2).
• الاحتفاظ لنفسه بأي نسخة من الأوراق الرسمية أو نزع أي ورقة من الملفات المخصصة لحفظها ولو كانت خاصة بعمل كلف به شخصياً. (الفقرة 4).
• الاحتفاظ بأي أموال أو عهد عسكرية أو البطاقة العسكرية بعد انتهاء خدمته. (الفقرة 6).
• التغيب عن العمل أو تركه أو التوقف عن أدائه خلال أوقاته لأي سبب من الأسباب دون تصريح رسمي (الفقرة 7).
• أداء أي عمل للغير بأجر ويستثنى من ذلك أعمال الوصاية أو القوامة أو الوكالة عن الغائبين أو المفقودين فيجوز أداءها بأجر إذا كانت تربطه بالقاصر أو المحجور عليه أو الغائب أو المفقود صلة قرابة أو نسب حتى الدرجة الرابعة (الفقرة 9).
• قبول الهدايا والإكراميات والمنح سواء أكان ذلك مباشرة أم بالواسطة. (الفقرة 10).
• شراء أو استئجار أي مال تطرحه جهة عمله للبيع عن طريق المزاد العلني. (الفقرة 11).
• الاشتغال بالتجارة. (الفقرة 12).
• مخالفة قوانين ولوائح وأحكام وقواعد النظم المالية والموازنة العامة ونظم المناقصات والمخازن والمشتريات. (الفقرة 14).
• الإهمال أو التقصير الذي يترتب عليه ضياع حق من الحقوق المالية للجهة العسكرية التابع لها، أو لأي من أجهزة الدولة أو المساس بمصلحة من مصالحها المالية. (الفقرة 15).
• إساءة استعمال الصلاحيات والسلطات المخولة له أو تجاوز حدود وواجباته الوظيفية. (الفقرة 16).
- كما أخضع ذات القانون العسكري الذي يرتكب المحظورات آنفة الذكر للمساءلة القانونية بدلالة المادة (73) التي وردت بالقول (يساءل تأديبياً كل عسكري يخالف الواجبات أو يرتكب أحد المحظورات المنصوص عليها في هذا القانون، أو يخرج على مقتضى الواجب في أعمال الوظيفة، أو يسلك سلوكاً أو يظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة، وذلك مع عدم الإخلال بإقامة الدعوى المدنية أو الجنائية عند الاقتضاء...).
ثانياً: وضع المسألة في قرار وزير الداخلية بشأن تقارير كفاية الأداء
ورد في قرار وزير الداخلية رقم (2) لسنة 2007 بشأن تقارير كفاية الأداء في المادة (2) منه وتحديداً في (أولاً الصفات الشخصية)، أنه من بين الصفات الشخصية، والتي تعد جزءاً مهماً من عناصر تقييم أداء عضو قوة الشرطة ما يلي:
الاستقامة والتمسك بالقيم الفاضلة والمحافظة على كرامة الوظيفة. (عدم إتيان أيه أفعال من شأنها أن تؤثر على مكانة الوظيفة) (الفقرة 1).
حسن علاقته بزملائه ورؤساءه وحسن معاملة الجمهور وتقديم القدوة الحسنة، (أن يؤدي الوظيفة في متاح من التعاون مع الزملاء والرؤساء وأداء الخدمات للجمهور بصورة مرضية ومشرفة). (الفقرة 2)
الانضباط: (الالتزام بمواعيد العمل سواء المتعلقة بالحضور أو الانصراف أو بما تفرضه عليه الوظيفة من واجبات ومحظورات). (الفقرة 4).
تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة: (أن يدخر وقت الوظيفة لأدائها وأن يقدم صالح الوظيفة على مصالحه الشخصية). (الفقرة 6).
العدل وعدم التحيز
(أداء الوظيفة المنوط بها دون تفرقة بين شخص وآخر من المتعاملين معه وأن يبتعد عن أهوائه ومصالحه الشخصية). (الفقرة 7).
كما ورد في ثانياً من المادة (2) المتعلقة (بالكفاءة الوظيفية والقيادية).
الإخلاص في العمل:
(أن يبذل قصارى جهده لأداء الوظيفة في ضوء ما تفرضه عليه واجبات وظيفته). (الفقرة 1).
ثالثاً: وضع المسألة في أخلاقيات الوظيفة الأمنية
ورد في الوثيقة التي أصدرتها وزارة الداخلية تحت عنوان (أخلاقيات الوظيفة الأمنية.. المعايير الأخلاقية والمهنية والمسلكية للوظيفة الشرطية)، ما يؤكد المبادئ والمعايير الإرشادية التوجيهية آنفة الذكر، وكما يلي:
1) المعايير الأخلاقية والمهنية:
حيث نص في الفقرة الخامسة منها على الآتي:
(يحرص رجال الشرطة والمكلفون بإنفاذ القوانين على مكانتهم ودرجة تأثيرها ومستوى المسؤولية المناطة بهم من خلال عدم إساءة استعمال السلطة.
2) صور من القيم المهنية والمسلكية: وقد نص في الفقرة الثانية منها على-
(الأمانة والنزاهة: ويقصد بها العفة وطهارة اليد واللسان، وتتجلى أهمية تلك القيمة السلوكية في الوظيفة الشرطية، فرجل الشرطة يتعرض لمواقف كثيرة وعديدة قد تصبح فيها أموال الآخرين تحت متناول يديه، هنا يأتي دور الرقابة الذاتية المتأنية من مخافة الله تعالى وحساب الضمير، وذلك كما في حالات تفتيش المساكن والأشخاص وجرد الممتلكات).
المدونة الاسترشادية وحقوق الإنسان
يمكن القول بأن قواعد السلوك المهني والأخلاقي التي انطوت عليها المدونة الاسترشادية العربية إنما تصب في فكرة حقوق الإنسان وتندرج في الصميم من غاياتها، طالما أنها تؤول إلى تحقيق مصالح الجمهور المتعامل مع المؤسسات الحكومية، رائدها في ذلك إعلاء وتعزيز حقوقه في الكرامة، والعدل والمساواة، وعدم التمييز، والوصول إلى المعلومة، وحرمة المعتقدات الدينية، ورعاية ذوي الإعاقة، هذا فضلاً عن حق الدولة والمجتمع، في المحافظة على المال العام لإدامة حركة الدولة وعجلة التنمية المستدامة وحفظ حقوق الجيل الحالي والأجيال اللاحقة.






